عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
6
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما * يصد ذوو القربى ويحفوا الموالف فإن ضاق عني عفوك الواسع الذي * أرجي لإسرافي فإني لتالف قلت ما أحسسن هذه الأبيات إذا تضرع فيها بقلب وجلة الرجل المتوجه إلى الله عز وجل ، إلا أن فيها شيئين : أحدهما قوله أنت عارف والله تعالى لا يقال له عارف وإنما يقال : عالم وفيه بحث يطول موضع ذكره في كتب الأصول . والثاني أن في الأصل المنقول منه يخاف ذنوباً لم يخف عنك عيبها بتقديم لم وهو مكسور ، ولعله من غلط الكاتب ، وصوابه على ما ذكرته . توفي شهيداً ، قتلته البربر رحمه الله يوم فتح قرطبة ، وروي عنه أنه قال : تعلقت بأستار الكعبة فسألت الله الشهادة . وفيها توفي سيف السنة وناصر الملة الإمام الكبير الحبر الشهير ، لسان المتكلمين وموضح البراهين ، وقامع المبتدعين وقاطع المبطلين ، القاضي أبو بكر محمد بن الطيب المشهور بابن الباقلاني الأصولي المتكلم المالكي الأشعري المجدد به دين الأمة على رأس المائة الرابعة على القول الصحيح . وقد أوضحت ذلك ، وذكرت طرفاً من مناقبه في الشاش المعلم شاؤش كتاب المرهم ومناقب مائة إمام من أعيان أئمة الأشعرية ، وإنه كانت محاسن القاضي أبي بكر المذكور الباطنة أكثر من محاسنه الظاهرة ، وكان كل ليلة إذا قضى ورده كتب خمساً وثلاثين ورقة تصنيفاً من حفظه . وكان فريد عصره في فنه . وله التصانيف الكبيرة المسندة الشهيرة ، وإليه انتهت الرئاسة في هذا العلم ، وكان ذا باع طويل في بسط العبارة ، مشهوراً بذلك ، حتى إنه جرى بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة يوماً ، فأطال قاضي أبو بكر فيها الكلام ، ووسع في العبارة ، وزاد في الإسهاب ، وبالغ في الإيضاح الإطناب ، ثم التفت إلى الحاضرين وقال : اشهدوا على أنه إن أعاد ما قلت لأغير الايضاح ، ولم أطالب بالجواب ، فقال الهاروني : اشهدوا على أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال . وقال الحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي : محمد بن الطيب أبو بكر القاضي معروف بابن الباقلاني ، المتكلم على مذهب الأشعري ، وكان ثقة ، أعرف الناس بعلم الكلام وأحسهم خاطراً وأجودهم لساناً ، وأصحهم عبارة ، وله التصانيف الكثيرة في الرد على المخالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم ، وقال : حدثت أن ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها حضر بعض مجالس النظر مع أصحابه ، فأقبل القاضي أبو بكر الأشعري ، فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه وقال : قد جاءكم الشيطان ، فسمع القاضي كلامه وكان بعيداً فلما جلس أقبل على ابن المعلم وأصحابه ، وقال : قال الله تعالى " أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً " - مريم 83 - .